أصْلُ العَرَب وأصْلُ اللغة العربية

 

تقسيمات السلالات البشرية إلى : ساميين وحاميين ويافثيين (هندوأوروبيين) هي تقسيمات توراتية يهودية، وليس لها أي مستند علمي، وحتى علماء الأجناس البشرية في العصر الحديث؛ يقرّون باختلاط السلالات البشرية بعضها ببعض عبر تاريخ البشر الطويل نتيجة الهجرات المستمرة، غير أن علماء اللغات البشرية لا يزالون مصرّين على التقسيم التوراتي للغات، حيث يزعمون أنّ هناك ثلاث لغات أساسية لجميع اللغات السائدة اليوم، وهي : الهندوأوروبية والسامية والحامية.

والحقيقة أنّ الاختلافات الجوهرية التي يذكرها هؤلاء العلماء لهذه السلالات اللغوية؛ لا تخلو من استثناءات كثيرة، والتي تبيّن بجلاء أنّ هذا التقسيم ما هو إلاّ ضرب من التعنّت والإقحام، وأنّ اتصال الشعوب بعضها ببعض لأغراض التجارة والهجرة؛ هي التي تسبّبت في وجود هذا التشابه بين اللغات، وأنّه لا وجودَ للغات (الأُمّ) الثلاثة على خارطة الواقع.

ومن الأساطير (التوراتية اليهودية) مقولة إنّ العرب شعبٌ من صُلبِ رَجُل واحد هو يعرُب ابن قحطان الذي عاش في بلاد اليمن، والحقيقة التي توضّحها لنا سلسلة من الأحاديث النبوية وبعضٌ من الآيات القرآنية؛ مختلفة عن هذه الأسطورة التي لا يزال الكثيرون يؤمنون بها، فالقرآن الكريم يبيّن أنّ العرب أمةٌ أنشأها الله تعالى من (ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)، وأنّ أبَ معظمهم هو سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ)، وتزيد الأحاديث النبوية توضيحاً بأنّ بعض القبائل العربية التي كان النسّابون يعدّونها من العرب العاربة القحطانية اليمنية؛ هي من نسل إبراهيم عليه السلام، فقد روى البخاري عن سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقَالَ : (( ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ))، فقبيلة أسلم من خزاعة، والمشهور عند النسابين أنَّ خزاعةَ أهلُ اليمن ينسبون إلى قحطان، بينما يجعلهم الحديث من بني إسماعيل عليه السلام.

وفي حديث آخر رواه البخاري أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه حين قَصّ على الأنصار – وهم بنو الأوس والخزرج – قصّة إبراهيم عليه السلام وزوجه هاجر وقال : (( تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ )). وبنو ماء السماء من شهرة الأوس والخزرج، وكان المشهور أنهم أيضاً من أهل اليمن المنسوبون إلى قحطان.

وتكشف الأحاديث النبوية الشريفة مزيداً من كَذِب النسّابة وعلماء اللغة – المتأثرّين بالتوراة اليهودية – وتخبرنا أنّ اللغة العربية هي لغة أهل الجنة، وأنّها ليست منحدرةً من أصول سامية ولا حامية، بل إنّ الله تعالى قد ألْهَم سيدنا إسماعيل عليه السلام بها إلهاماً، ومنه انتشرت هذه اللغة المباركة في أبنائه من بعده، وانتقلت إلى قبائل أخرى مجاورة، فقد روى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ((أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل، و هو ابن أربع عشرة سنة )) – صحّحه الألباني، وروى الحاكم وصححه عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا : ( قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَومٍ يَعْلَمُونَ ) ثم قال : ((أُلْهِمَ إسماعيلُ هذا اللسانَ إلهاماً )).

وأمّا بالنسبة للأثر الذي يرويه ابن عباس رضي الله عنهما في البخاري الذي جاء فيه : “وشَبَّ الغلامُ وتعلّم العربيّة منهم” (أي من قبيلة جرهم)؛ فهذا القول قول ابن عباس وليس قولاً للنبيّ صلى الله عليه وسلم ، ففي هذا الحديث الطويل؛ يحرص ابن عباس على تنقية كل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم بالتصريح قبله بقوله : (قال النبي صلى الله عليه وسلم) ، ثم يستطرد فينقل الأخبار عن غيره ، ثم ينقل قول النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يستطرد .. وهكذا ، ولم يصرّح ابن عباس قبل هذه الجملة (وشبّ الغلام وتعلّم العربية منهم) بأنها من مقولة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني أنه من كلام غيره عليه الصلاة والسلام، فإذن لا مجال لتقديم خبر ساقه صحابي على قول صريحٍ ثابتٍ للنبي صلى الله عليه وسلم .

وهكذا يتبيّن لنا أنّ تقسيم العرب إلى عاربة ومستعربة والقول بأنّ العاربة هم بنو قحطان من اليمن والمستعربة هم بنو عدنان بن إسماعيل؛ كلام عار من الصحة، بل هو على عكس الواقع والحقيقة التي تخبرنا بها الأحاديث النبوية، فالعرب إن كان فيهم العاربة؛ فهم أبناء إسماعيل، لأنه هو الذي أوّل من تكلّم بالعربية، ولأنّ جُلّ القبائل العربية من نسله، وقحطان الذي يُنسب أهل اليمن إليه ليس إلاّ واحد من ذرية إسماعيل كان قد هاجر إلى اليمن ونشر هناك لغة جَدّه إسماعيل – كما جاء ذلك أيضاً في بعض الأحاديث – ، وفي بعض الأحاديث الضعيفة إشارات إلى أنّ بعض القبائل العربية في جنوب الجزيرة ليسوا من نسل إسماعيل، فإن جاز الاحتجاج بهذه الأحاديث فتكون هذه القبائل هي العرب المستعربة، وفي كل الأحوال؛ هذه الأحاديث وإن ضعفت أسانيدها؛ فهي تؤكّد أيضاً حقيقة كون العرب – كغيرهم من الأمم – ذوي أصولٍ متعدّدة جمعتهم لغةٌ واحدةٌ في منطقة جغرافية واحدة .

وبالنسبة للغة العربية، فهي أيضاً ليست اللغة المنحدرة من لغة كان أهل اليمن يتحدّثون بها، بل هي اللغة التي ألْهم الله تعالى نبيه إسماعيل بها، وأنّ القبائل التي كانت تعيش في اليمن قبل هجرة قحطان إليها، هم الذين تعلّموها بعد هجرة قحطان وتأثّرت لغتهم الأم بها، وليس العكس. ولهذا السبب أيضاً نجد التقارب الكبير بين اللغة العربية واللغة العبرية التي يتحدّث بها اليهود، فمعلوم أنّ اليهود من أبناء إسحاق عليه السلام، فلعلّ إسحاق تعلّم العربية من إسماعيل عليهما السلام، ثمّ تغيّرت اللغة عند ذريته بمرّ الزمن، بينما حفظ الله العربية في قريش كما ألهم بها إلى إسماعيل عليه السلام.

ونظراً لهذه الحقيقة؛ سمّت العرب نفسها عَرَباً، أي أنّهم الذين يتحدّثون باللغة الواحدة التي بها يستطيع كلٌّ منهم أن يُعرب عمّا في نفسه للآخر، بينما أطلقوا على كافة الأشياء الأخرى التي لا يستطيعون فهم كلامهم تسمية (العجم) حتى شملت هذه التسمية الجمادات والحيوانات والأمم الأخرى التي لا تتحدث بالعربية، وهذا السبب في تسمية العرب بالعرب؛ يذكره رائد علم الاجتماع ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، ويعضده حديث نبوي ضعّفه العلماء من حيث السند وصححه ابن تيمية وغيره من حيث المعنى، ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام : (( وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، فإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي )) – أخرجه ابن عساكر -، والتاريخ والحاضر شاهدان على صحة معنى الحديث، فالعرب قديماً وحديثاً قد اختلطوا بأمم غيرهم حتى اختلفت ألوان جلود بعضهم وألوان عيون الآخرين منهم، وظلّت اللغة هي التي تجمعهم.

فخلاصة القول إنّ العرب أمةٌ لم تنحدر من أصل شعب كان يعيش في بلاد اليمن، بل هُم أمة أنشأها الله تعالى من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام والذي ينحدر من سلالة قوم آخرين كانوا يقطنون بلاد العراق، فقد نقل ياقوت في معجمه عن سيدنا علي رضي الله عنه قال: ((مَن كان سائلاً عن نسبنا فإنا نَبَط من كُوثى)) ، قال ياقوت: كوثى من أرض بابل. واللغة العربية لغةٌ أوحى الله تعالى بها إلى إسماعيل عليه السلام، وليست لغةً كان شعبٌ من الشعوب يتحدّث بها قبل إسماعيل عليه السلام بشكل من الأشكال. وكل الدراسات التي تحاول إثبات وجود جذور للعرب أو اللغة العربية قبل إسماعيل عليه السلام؛ إنّما هي محاولات إقحام وتعنّت، وتغيير الحقائق التاريخية الإنسانية، فلم يكن للعرب وجودٌ قبل إسماعيل عليه السلام، لأنّ اللغة العربية لم تكن موجودة قبله عليه السلام، والعرب إنما نُسبوا إلى اللغة، وليست اللغة منسوبة إليهم. وليس ثمة دليل أو برهان ملموس بوجود العرب أو اللغة العربية قبل هذا التاريخ الذي يرجع إلى قبل المسيح بأكثر من ألفَي عام تقريباً، فأقدم ذكر لكلمة (العرب) بوصفها لقب أمة؛ موجود في نص أثري هو اللوح المسماري المنسوب للملك الآشوري (شلمانصر الثالث) في القرن التاسع قبل الميلاد، ذكر فيه انتصاره على تحالف ملوك آرام ضده بزعامة ملك دمشق، وأنه غنم ألف جمل من (جنديبو) من (بلاد العرب)، كما أنّ هناك ذكراً لبلاد العرب في بعض النصوص اليونانية والرومانية والتي إن غاصت في القدم؛ فلا ترجع إلى أكثر من ألف وخمسمائة عام قبل المسيح.

وأما بالنسبة للغة العربية؛ فإنّ اللغات القديمة التي ينسبها علماء اللغة إلى مجموعة اللغات السامية، ويحلو لبعض العرب أن يعتبرها من اللغات العربية البائدة، فإنّ هذه اللغات البائدة كلها لغات (بكماء)، أي أنه لا أحد يعرف اليوم كيفية نطقها .. وعليه فلا يصحّ – علمياً – الاحتجاج بأنّها تضمنت حروفاً حلقية أو غيرها ممّا تتضمنه اللغة العربية، وذلك لسببين: الأول: لأنّ هذه الحروف ليست حكراً على اللغة العربية فقط من بين سائر اللغات العالمية، ثانياً: لأنّ كتابة أسماء أو أفعال؛ ننطقها بالعربية باستعمال الحروف الحلقية؛ ليست دليلاً كافياً على أن أولئك الأقوام كانوا ينطقونها بنفس الطريقة، فاسم (يوحنا) مثلاً ننطقه بالحاء، وغيرنا ينطقه (يوهان) بالهاء.

وأخيراً.. فإنّ الذين ينساقون للمخططات اليهودية ويتعللون بعلوم كعلم الاجتماع (انثربولوجيا) أو علم الموروث الجيني (DNA)؛ إنما يضربون بأجنحتهم في ظلام وتائهون في دوائر مفرغة، فما التقسيمات الانثربولوجية أو الجينية إلاّ مسوّغات لإثبات نظرية داروين التطورية التي تقول بأن أصل الإنسان متطور من حيوانات، وأنّه ذو أصول متعددة. والحقيقة أنّ نظرية داروين منقودةٌ علمياً حتى عند علماء الأحياء والأجناس، وكذلك الحال بالنسبة لنظرية اختلاف الموروث الجيني للأمم والقبائل، فهي على عدم اتصافها بالوصف العلمي حتى الآن لعدم شموليتها؛ لم تخرج حتى اليوم بأي نتائج حاسمة يمكن الاعتماد عليها علمياً في نسبة الأفراد إلى قبائل أو شعوب، ويبقى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم – على الرغم من ضعف سنده – هو الأساس الفاصل ((وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، فإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي))، لأنه تأكيدٌ لحقيقة أنّ العربية هي اللغة التي ألهمها الله إلى إسماعيل عليه السلام، وأراد لها أن تكون هي لغة القرآن الكريم ولغة الإسلام وبالتالي لغة سائر المسلمين حتى يوم القيامة، ثم لغة أهل الجنة بعد يوم القيامة، فالأمم والشعوب تختلط أنسابها دائماً، بينما اللغات تبقى جامعة لها على مرّ العصور والأزمان، فحريٌّ بنا جميع المسلمين الاعتزاز بهذه اللغة والتفاني من أجل خدمتها ونشرها، ليس لأنها لغة شعب أو قوم .. بل لأنها لغة أوحى الله تعالى بها إلى نبي وأنزل بها كتابه الخاتم واختارها لغةً لأمّة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم.

 

دكتور. محمد عامر عبدالحميد (مظاهري)

أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد بجامعة الجوف (سابقا)

أستاذ اللغة العربية بالكلية الإسلامية في ملبورن – أستراليا

أصْلُ العَرَب وأصْلُ اللغة العربية
(4)

التعليقات مغلقة.

مشاركات الأعضاء

اليوم العالمي للغة العربية في رحاب الثانوية الخامسة عشر بجدة

الحمد للّه خالق الألسن واللغات، واضع الألفاظ للمعاني بحسب ما اقْتضته حِكمه...

الملحقية الثقافية فى النمسا تحتفل باليوم العالمي للغة العربية 2017م

شاركت الملحقية الثقافية السعودية يوم الإثنين 18 ديسمبر 2017 في اليوم العالمي للغة...

افتتاح معرض اللغة العربية بمدرسة تحفيظ الرويضة

افتتح مدير تعليم محافظة القويعية الدكتور عبدالله الظافري معرض اللغة العربية...