اللغة العربية فضلها وعالميتها

اللغة العربية: أهميتها وفضلها وعالميتها

شرّف الله اللغةَ العربية بالقرآن الكريم، بأن جعل كتابه العزيز بلسان عربي مبين، (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون)([1])، (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا)([2])، (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون)([3])، (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)([4])، وكفى بهذا الشرف شرفا، وكفى به فضلا وإكراما وعلوا وشأنا.

وقد أكسب هذا الشرفُ اللغةَ العربيةَ وألبسها لباس العالمية، بعد أن كانت لا تتعدى جزيزة العرب.

إن اللغة العربية أصبحت لغة الإسلام، فمن أراد أن يفهم الإسلام وأسراره وتشريعاته، وقبل ذلك من أراد أن يفهم مصدر تشريعه الأول الذي هو القرآن لابد أن يغوص في بحره العميق الذي كمنتْ في أحشائه الدرر.

إن اللغة العربية ليس لمثلي ولا لقلمي أن يصفها، بل إذا وصفتُها قللت من شأنها، كالسبّاح المبتدئ الذي سبح في البحر ثم ادعى أنه أحاط به، وإنما في الحقيقة دار حول نفسه، وعندما عجز وتعب ترك البحر يتلاطم بأمواجه العالية بكبريائه وعظمته ثم ادّعى ما ادّعى، ولهذا أترككم مع المهرة ممن سبحوا في بحر اللغة وغاصوا وأدركوا بعض درره، لا كله، ومن يدرك درر اللغة العربية كلها؟.

قال ابن فارس:

“باب القول فِي أن لغة العرب أفضلُ اللغات وأوسعُها:

قال جلّ ثناؤه: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) فوصَفه جلّ ثناؤه بأبلغ مَا يوصَف بِهِ الكلام، وهو البيان.

قال جلّ ثناؤه: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)([5]) فقدّم جلّ ثناؤه ذكر البيان عَلَى جميع مَا توحَّد بخلقه وتفرَّد بإنشائه، من شمس وقمر ونجم وشجر وغيرِ ذلك من الخلائق المحْكمة والنشايا المتْقَنة. فلمّا خصَّ جلَّ ثناؤه اللسانَ العربيَّ بالبيانِ عُلم أن سائر اللغات قاصرةٌ عنه وواقعة دونه.

فإن قال قائل: فقد يقع البيانُ بغير اللسان العربي، لأن كلَّ مَن أفْهَم بكلامه عَلَى شرط لغته فقد بَيَّن. قيل لَهُ: إِن كنتَ تريد أن المتكلّم بغير اللغة العربية قَدْ يُعرِبُ عن نفسه حَتَّى يفهم السامع مراده فهذا أخس مراتب البيان، لأن الأبكم قَدْ يدلُّ بإشارات وحركات لَهُ عَلَى أكثر مراده ثُمَّ لا يسمّى متكلماً، فضلا عن أن يُسمَّى بَيِّناً أَوْ بليغاً.

وإن أردت أنَّ سائر اللغات تبيّن إبانة اللغة العربية فهذا غَلط، لأنا لو احتجنا أن نعبر عن السيف وأوصافه باللغة الفارسية لما أمكننا ذَلِكَ إِلاَّ باسم واحد، ونحن نذكر للسيف بالعربية صفات كثيرةً، وكذلك الأسد والفرس وغيرهما من الأشياء المسمّاة بالأسماء المترادفة. فأين هَذَا من ذاك، وأين لسائر اللغات من السَّعة مَا للغة العرب? هَذَا مَا لا خفاء به على ذي نُهيَة”([6]).

ويقول الثعالبي مبينا مكانة اللغة العربية وعظيم أهميتها:

“فإن من أحب الله تعالى أحب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب، ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها وثابر عليها وصرف همَّته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة.

والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب كالينبوع للماء والزند للنار.

ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها ومصارفها والتبحر في جلائها ودقائقها إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن وزيادة البصيرة في إثبات النبوة لكفى بهما فضلا يَحْسُنُ فيهما أثره ويطيب في الدارين ثمره”([7]).

إن اللغة العربية والإسلام متلازمان، ويبقى هذا التلازم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

يقول محمد المجذوب في هذا الصدد تحت عنوان العربية والإسلام:

“ومن هنا كان التلازم قائما إلى الأبد بين العربية والإسلام حتى ليعتبر المسلم الأعجمي هذه العربية لغته الأولى، فيحاول إتقانها ويعتز بإجادتها، لأنها اللغة التي تكلم بها الله في آخر رسالاته المقدسة، وقد يتساهل في لغته القومية دون غضاضة، ولكنه لا يسمح لنفسه بالتساهل في العربية لغة أدبه ودينه وشريعته، وبسبب من ذلك تماسكت لغة القرآن فاحتفظت بحيويتها وطلاقتها في أقطار غير عربية، في حين جمدت حتى الخمود في الأقطار العربية نفسها أثناء الفترة التي سبقت عصر النهضة الحديثة.

فبالقرآن إذن صار العرب أمة مميزة، وبالقرآن دخلوا أبواب التاريخ، لا عالة يتكففون كما يحلو لبعض الملاحدة المعاصرين أن يزعموا، بل كما يدخل فريق الإسعاف الصحي بمجالات الوباء، أو كما تقتحم وحدات الإطفاء مناطق الحريق، تحمل إلى المنكوبين أسباب العافية والأمن.

وعلى هذا فمن أوليات الوفاء لهذا الكتاب العزيز أن يعرف العرب حقه، فيصونوا لغته ويلتزموا منهجه في حياتهم كلها، ليظلوا الطاقة البناءة في كيان هذه الإنسانية المهددة كأمسها بالخراب والشقاء”([8]).

 

([1]) سورة يوسف، الآية: 2.

([2]) سورة طه، الآية: 113.

([3]) سورة الزخرف، الآية: 3.

([4]) سورة الشعراء، الآيات: 193، 194، 195.

([5]) سورة الرحمن: الآيات: 3و4.

([6]) ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها، ط1، (بيروت، مكتبة المعارف، 1414هـ، 1993م)، ص 34.

([7]) الثعالبي، فقه اللغة وسر العربية، ط1، (إحياء التراث العربي، 1422هـ، 2002م)، ص 15.

([8]) المجذوب، رسالة الجامعة السعودية نحو اللغة العربية والثقافة الإسلامية، مجلة الجامعة الإسلامية، العدد الأول، جمادى الثانية 1396هـ، 1976م.

اللغة العربية فضلها وعالميتها
(1)

التعليقات مغلقة.

مشاركات الأعضاء

اليوم العالمي للغة العربية في رحاب الثانوية الخامسة عشر بجدة

الحمد للّه خالق الألسن واللغات، واضع الألفاظ للمعاني بحسب ما اقْتضته حِكمه...

الملحقية الثقافية فى النمسا تحتفل باليوم العالمي للغة العربية 2017م

شاركت الملحقية الثقافية السعودية يوم الإثنين 18 ديسمبر 2017 في اليوم العالمي للغة...

افتتاح معرض اللغة العربية بمدرسة تحفيظ الرويضة

افتتح مدير تعليم محافظة القويعية الدكتور عبدالله الظافري معرض اللغة العربية...